فصل: تفسير الآية رقم (111):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآية رقم (91):

{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}
طال بُعْدُهم عن الحقيقة فقاسوا الهوان في مطارح الغربة، وصاروا سخرة للشيطان؛ فبقوا عن الصلاة التي هي محل النجوى وكمال الراحة، وفَسَدَتْ ذاتُ بَيْنِهِم بما تولد من الشحناء والبغضاء.

.تفسير الآية رقم (92):

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92)}
كما كان العبد أعرفَ بربه كان أخوفَ من ربه، وإنما ينتفي الحذر عن العبد عند تحقيق الموعد بقوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ} [الأنعام: 82] وذلك عند دخول الجنة. وحقيقةُ الحذر نهوضُ القلب بدوام الاستغاثة مع مجاري الأنفاس.

.تفسير الآية رقم (93):

{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)}
من حافظ على الأمر والنهي فليس للقمة يتناولها من الخطر ما يُضَايَق فيها، وإنما المقصود من العبد التأدبُ بصحبة طريقه سبحانه، فإذا اتَّقى الشِرْكَ تعَرّف، ثم اتقى الحرامَ فما تصرّف، ثم اتقى الشحَّ فآثر وما أسرف.
وقوله: {ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا} يعني اتقوا المنع وأحسنوا للخلْق- وهذا للعموم. ثم اتقوا شهود الخلْق؛ فأحسنُ الشهودِ الحقُّ، والإحسانُ أَنْ تعبد الله كأنك تراه- وهذا للخواص.
والله يحب المحسنين أعمالاً والمحسنين (آمالاً) والمحسنين أحوالاً.

.تفسير الآيات (94- 95):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)}
أباح الصيد لمن كان حَلاَلاً، وحرَّم الصيد على المُحْرِم الذي قَصْدهُ زيارة البيت. والإشارة فيه أن من قصد بيتنا فينبغي أن يكون الصيد منه في الأمان، لا يتأذى منه حيوان بحال، لذا قالوا: البَرُّ مَنْ لا يؤذي الذر ولا يُضْمِر الشر.
ويقال الإشارة في هذا أَنْ مَنْ قصَدَنا فعليه نَبْذُ الأطماعِ جملةً، ولا ينبغي أن تكون له مطالبة بحالٍ من الأحوال.
وكما أنَّ الصيدَ على المُحْرِم حرامٌ إلى أن يتحلل فكذلك الطلب والطمع والاختيار- على الواجِد- حرامٌ ما دام مُحْرِمًا بقلبه.
ويقال العارفُ صيدُ الحق، ولا يكون للصيد صيد.
وإذا قَتَلَ المُحرِمُ الصيدَ فعليه الكفَّارة، وإذا لاحظ العارفُ الأغيارَ، أو طمع أو رغب في شيءٍ أو اختار لَزِمَتْه الكفَّارة، ولكن لا يُكْتَفى منه بجزاء المثل، ولا بأضعاف أمثال ما تصرَّف فيه أو طمع، ولكن كفَّارته تجرده- على الحقيقة- عن كل غير، قليلٍ أو كثير، صغير أو كبير.

.تفسير الآية رقم (96):

{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)}
حُكْمُ البحرِ خِلافُ حُكْم البر. وإذا غرق العبدُ في بحار الحقائق سَقَطَ حكمه، فصيد البحر مباح له لأنه إذا غرق صار محواً، فما إليه ليس به ولا منه إذ هو محوٌ، واللهُ غالِبٌ على أمره.

.تفسير الآية رقم (97):

{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)}
حَكَمَ الله سبحانه- بأن يكون بيتُه- اليومَ ملجأ يلوذ به كل مُؤمِّل، ويستقيم ببركات زيارته كلُّ مائلٍ عن نهج الاستقامة، ويستنجح بابتهاله هنالك كلُّ ذي أَرَبٍ.
والبيتُ حَجَرٌ والعبد مَدَرٌ، والحق سبحانه ربط المدر بالحجر ليُعْلَمَ أنه الذي لم يَزَلْ لا سبيل إليه للحدثان والغير.

.تفسير الآية رقم (98):

{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)}
شديد العقاب للأعداء، غفور رحيم للأولياء.
ويقال شديد العقاب للخواص بتعجيل الحجاب إنْ زاغُوا عن الشهود لحظةً، غفور رحيم للعوام إن رجعوا إليه بتوبة وحسرة.

.تفسير الآيات (99- 100):

{مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)}
المتفرِّدُ بالإلهية اللهُ. والرسولُ- وإنْ جلَّ قَدْرُه- فليس عليه إلا البلاغ وهو أيضاً (بتسييره).
قوله: {قُل لاَّ يَسْتَوِى الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ}: الخبيث ما اكتسبه الغافل عن الله تعالى في حالة اكتسابه، والطيب ما اكتسبه على شهود الحق.
ويقال الخبيث ما لم يُخْرَجْ منه حقُّ الله تعالى، والطيب ما أُخْرجَ منه حقه- سبحانه. ويقال الخبيث ما ادخرتَه لنفسك، والطيب ما قدَّمتَه لأمره.

.تفسير الآية رقم (101):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)}
إذا أسبل عليكم ستر اللطف فلا تتعرضوا لعلم أُخْفِيَ عنكم، فيتنغَص (بالتج...)- عليكم- عَيْشُكم.
ويقال لا تتعرضوا للوقوف على محل الأكابر- حيث لا تستوجبون ذلك- فيسوءكم تقاصرُ رتبتك.
ويقال إذا بدا من الإعراض علم فاطلبوا له عندكم وجهاً من التفال ولا تطلبوا أسرار الباري، واركنوا إلى روْح المنى في استدفاع ما ظلكم ولا تبحثوا عن سر ذلك وراعوا الأمر مجملاً.

.تفسير الآية رقم (102):

{قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)}
يعني توهَّم قوم أنهم محرورون عن التأثر فيما يصادفهم في فجاءة التقدير، وذلك منهم ظَنٌّ، كما يقول بعضهم:
تبيَّن يومَ البيْن أنَّ اعتزامَه ** على الصبر من إحدى الظنون الكواذب

.تفسير الآية رقم (103):

{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)}
هذه أحكامٌ ابتدعوها، فردَّهم الحقُّ- سبحانه- عن الابتداع، وأمَرهم بحسن الاتِّباع، وأخبر أنَّ ما صدر من عاداتهم لا يُعَدُّ من جملة عبادتهم.

.تفسير الآية رقم (104):

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)}
إذا هتفت بهم دواعي الحقِّ بالجنوح إلى وصف الصدق صَدَّهم عن الإجابة ما مرنوا عليه من سهولة التقليد، وإن أسلافهم الذين وافقوهم لم يكونوا إلاَّ في ضلال.

.تفسير الآية رقم (105):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}
يكفي للفقير أن يمشيَ وقد جُبِرَ بعضُ كَسْرِه، فأمَّا إذا ادَّعى التقدم أو الطمع في إنجادِ منْ سواه فمحال من الحدث والظن.
ويقال من يفرغ إلى غيره يتشاغل عن نفسه، ومن اشتغل بنفسه لم يتفرَّغ إلى غيره.

.تفسير الآيات (106- 108):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)}
حكم هذه الآية كان ثابتاً في الشرع ونُسخ، وفي بيان التفسير تفصيلُه.
والنسخُ هو الإزالة، وذلك جائزٌ في العبادات.
ومعنى النسخ يوجد في سلوك المريدين؛ فهم في الابتداء فَرْضُهم القيام بالظواهر من حيث المجاهدات، فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شيء آلت أحوالهم إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أورادالظاهر، فهو كالنسخ من حيث الصورة.
قال تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]. واتصافهم بمراعاة القلوب أتمُّ بتأديبهم بأحكام المعاملات.

.تفسير الآية رقم (109):

{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109)}
يكاشفهم بنعت الجلال فتنخنس فهومُهم وعلومُهم حتى ينطقوا بالبراءة عن التحقيق ويقولون: {لاَعِلْمَ لَنَا}، وهكذا تكون الحالة غداً: مَنْ قال لشيءٍ، أو مَالَ يقولون: ما عبدناك حق عبادتك والأنبياء يقولن: {لاَ عِلْمَ لَنَا}.

.تفسير الآية رقم (110):

{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)}
التذكيرُ بوجوه النعم يستخرج خلاصة الحُب والهيمان في المذكور وكلُّ وقتٍ للأحباب يمضي يصير لهم حديثاً يتلى من بعدهم: إما عليهم وإمَّا عنهم.

.تفسير الآية رقم (111):

{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)}
وإنما خصَّهم بالوحي إلهاماً وإكراماً لانبساط ضياء عيسى عليهم، وفي الأثر: «هُمُ القومُ لا يَشْقَى بهم جليسُ».

.تفسير الآيات (112- 113):

{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)}
طلبوا المائدةَ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة، فعُذِرُوا وأجيبوا إليها؛ إذ كان مرادُهم حصولَ اليقين وزيادةَ البصيرة.
ويقال كلٌ يطلب سُؤْله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه في مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه في (فائدة) من الموارد يَرِدُها، وعزيز منهم من يجد الفناء عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه.

.تفسير الآية رقم (114):

{قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)}
شَتَّان بين أمة طلب لهم نبيُّهم سكوناً بإنزال المائدة عليهم، وبين أمة بدأهم- سبحانه بإنزال السكينة عليهم، من غير سؤال أحد، قال الله تعالى: {هُوَ الذي أَنزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4].
وقال في صفتهم: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2].
وفَرْقٌ بين مَنْ زيادةُ إيمانه بآياته التي تتلى عليهم وبين من يكون سكونهم إلى كرامات وعطايا تُبَاحُ لهم.

.تفسير الآية رقم (115):

{قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)}
أجابه إلى سؤاله لهم، ولكن توعدهم بأليم العقاب لو خالفوا بعده لِيَعْلَمَ السالكون أَنَّ المراد إذا حصل، وأَنْ الكرامة إذا تحققت- فالخطر أشدُّ والحالُ من الآفة أقربُ، وكلما كانت الرتبة أعلى كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلَّت جلَّت.